الصحافة

لماذا التوجُّس من التصويت داخل مجلس الوزراء؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

احتكم رئيس الحكومة نواف سلام إلى التصويت في مجلس الوزراء لاختيار حاكم جديد لمصرف لبنان، فيما كان بإمكانه تعطيل الجلسة بدءاً بعدم المشاركة فيها، وصولاً إلى الاعتكاف، لكنّه خلافاً لذلك، أراد تطبيق النص الدستوري بأن «مجلس الوزراء يتّخِذ قراراته توافقياً، وإذا تعذّر ذلك فبالتصويت»، وبالتالي أراد إسقاط هذا «البعبع» المسمّى التصويت، وهو يُهنَّأ على هذه الممارسة للأسباب التالية:

أوّلاً، لا يفترض أن يكون اللجوء إلى التصويت مصدر خوف وتخويف، إنّما يجب تحويله إلى القاعدة في كلّ مرة يتعذّر فيها التوافق.

ثانياً، الحكومة ليست مؤلّفة من جبهتين إن وطنياً أو طائفياً، والخوف مثلاً من أن يؤدي التصويت إلى انقسام وشرخ من طبيعة طائفية أو وطنية ليس في محله.

ثالثاً، الاصطفاف الذي حصل في اختيار الحاكم قد يحصل عكسه في ملفات أخرى، وبالتالي من الخطأ تصوير النتيجة بأنها تؤشر على وزن كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والفارق في الحاكمية أن الرئيس جوزاف عون أحسن إدارة معركته خلافاً للرئيس نواف سلام.

رابعاً، كان من الضروري أن يأتي من يكسر هذا «التابو» من التصويت، ولا يأبه لتصويره أمام طائفته والبلد بأنه هزم أمام رئيس الجمهورية، فهناك طبعاً وقع المرة الأولى دائماً، ومن بعدها تتحوّل الأمور أكثر طبيعية، ففي ملف آخر قد يخرج رئيس الحكومة منتصراً، والفارق أنه لن يكون ممكناً معه تصوير هذا الانتصار بأنه ضد الرئاسة الأولى والمسيحيين، ولذلك، كان من الضرورة بمكان كسر هذا «التابو»، وقد نجح الرئيس سلام بذلك لأنه وصل إلى موقعه من خارج الحسابات والاصطفافات، ولا يريد أن يشكل استمراراً لممارسة قديمة، إنما أراد أن يفتتح عهده بممارسة جديدة ومختلفة.

خامساً، إحدى القواعد الأساسية للديمقراطية احترام إرادة الناخبين بالتصويت، والحرص على مواعيد الاستحقاقات الدستورية، وعدم تأجيلها بسبب الخشية من نتائجها، وبالتالي يجب تعويد الناس على قدسية الاستحقاقات أولاً، وعلى التصويت ثانياً، وعلى المحاسبة أولاً وثانياً وثالثاً.

السؤال الذي لا إجابة حاسمة عنه: لماذا ذهب رئيس الحكومة في معركة الحاكمية إلى النهاية على الرغم من معرفته بأنها خاسرة؟ كان بإمكانه أن يتجنّب التصويت وأن يقول مثلاً «الأستاذ كريم سعيد ليس خياري الأول ولا المفضّل، ولكن طالما فخامة الرئيس والأكثرية الوزارية معه لن أشذّ عن هذه القاعدة»، فكان تلافى معركة محسومة النتائج وظهر أيضاً بمظهر الشخصية المؤمنة بالديمقراطية وقواعدها؟

ولا شكّ أن رفض الرئيس سلام تطيير الجلسة، وإصراره على تصويتٍ يُخرجه خاسراً سيبقيان سرّاً لدى رئيس الحكومة، فهل أراد إيصال رسالة معيّنة لجهة دولية أو محلية أو مالية محدّدة؟ أم تعمّد التصويت على الرغم من نتائجه المعروفة لكسر «تابو» التصويت؟ أم أنه أخطأ بكل بساطة في إدارته هذه المعركة والناجم عن غياب خبرته السياسية؟

فالخطأ الأساسي لرئيس الحكومة أنه قرّر الاستمرار في معركة حول أرفع منصب في الدولة بعد الرئاسات الثلاث، وفي ظل أزمة مالية أدّت إلى انهيار ما بعده انهيار، وإلى «تطيير» ودائع الناس الذين ينظرون بعين الأمل إلى الحاكم القادر على المساهمة في إعادة ودائعهم، والمساهمة في إعادة الاستقرار المالي، وبالتالي قرّر الاستمرار في معركة بهذه الأهمية من دون أن يكون لديه الاسم الذي له الوقع والوزن المطلوبان، وهذا ما ينطبق على الحاكم الجديد.

وكان بإمكان رئيس الحكومة بكل بساطة عندما وجد أنه يفتقد لسبب من الأسباب لـ «cheval de bataille» قادر على أن يخوض معركة إيصاله إلى الحاكمية في مواجهة كريم سعيد أن يسلِّم بالنتيجة سلفاً، لأن سعيد لديه المواصفات والمؤهلات والخبرة والسمعة الطيّبة، ولا يمكن خوض المعركة ضدّه من دون أسماء من الوزن نفسه، لا بل الانطباع الذي تولّد بأن الرئيس سلام لأسباب مجهولة كان يريد تطيير سعيد وترك اختيار الحاكم إلى مرحلة لاحقة، الأمر الذي لم يلق تجاوباً من الوزراء في ظلّ الحاجة إلى اختيار الحاكم وغياب أي مبرِّر للتأجيل.

ما يجب تأكيده، أن لبنان اليوم أبعد ما يكون من الاصطفاف الطائفي، أو الرئاسي بمعنى إحياء الخلاف بين الرئاستين الأولى والثالثة، لأنّ الخلاف عندما كان قائماً كان يتجاوز في عمقه مسألة الصلاحيات، وهي شكلية، إلى مسألة الخلاف حول أي لبنان نريد، وهذا ما يشكّل توافقاً لا بل تطابقاً بين المسيحيين والسنة اليوم، خصوصاً لجهة احتكار الدولة السلاح ولقرار الحرب وإحياء الهدنة وتحييد البلد عن محاور الصراع، أي الملفات الأساسية التي شكّلت محور الانقسام التاريخي، وكان إحدى ترجمات هذا الانقسام الخلاف بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

ولكلّ من يحاول الاصطياد في الماء العكر، فإن معركته خاسرة سلفاً، والمهم اليوم أن المواقع الأساسية في الدولة قد امتلأت وتحديداً العسكرية والمالية في ظل الدور الأساسي لقيادة الجيش في بسط السيادة وترسيخ الاستقرار الأمني، والدور الأساسي لحاكم مصرف لبنان في إخراج البلد من الانهيار وترسيخ الاستقرار المالي، والمهم أيضاً العودة إلى التصويت بفضل الرئيس سلام، والأهم أن التصويت لم يحصل على قاعدة اصطفاف طائفي أو رئاسي أو مالي، إنما على قاعدة الوقوف خلف من هو الأفضل.

شارل جبور -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا